أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

355

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السادس : أنه مفسّر ل « مَكْتُوباً » ، أي : لما كتب ، قاله الفارسي ، قال : كما فسّر قوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ، وكما فسّر المثل في قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ بقوله : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ وقال الزجاج - هنا - : « ويجوز أن يكون المعنى : يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف » . وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف وما ذكر معه من صفته التي ذكرت في الكتابين . وقد استدرك أبو عليّ عليه هذه المقالة ، فقال : « لا وجه لقوله : يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف ، إن كان بمعنى أن ذلك مراد ، لأنه لا شيء يدل على حذفه ، ولأنا لا نعلمهم أنهم حذفوا في شيء ، وتفسير الآية أن « وجد » فيها يتعدى لمفعولين » فذكر نحو ما قدمته عنه . قلت : وهذا الرد تحامل منه عليه ، لأنه أراد تفسير المعنى ، وهو تفسير حسن . قوله : إِصْرَهُمْ قرأ ابن عامر « آصارهم » بالجمع ، على صيغة « أفعال » ، فانقلبت الهمزة التي هي فاء الكلمة ألفا لسبقها بمثلها . والباقون بالإفراد . فمن جمع فباعتبار متعلقاته وأنواعه ، وهي كثيرة ، ومن أفرد فلأنه اسم جنس . قرأ بعضهم « أصرهم » وبعضهم « 1 » « أصرهم » بضمها . وقد تقدم تفسير هذه المادة في أواخر البقرة . و « الْأَغْلالَ » جمع غلّ ، وهو هنا مثل لما كلّفو ، وقد تقدم تفسير هذه المادة أيضا في آل عمران عند وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ « 2 » ، وكذا تقدم تفسير « التعزير » في المائدة . والعامة على تشديد « وَعَزَّرُوهُ » ، وقرأ الجحدري ، وعيسى بن عمر ، وسليمان التّيميّ بتفخيفها ، وجعفر بن محمد « وعزّزوه » بزائين معجمتين . قوله : أُنْزِلَ مَعَهُ قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى « أُنْزِلَ مَعَهُ » ، وإنما أنزل مع جبريل ؟ قلت : معناه : أنزل مع نبوّته ، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن ، مشفوعا به . ويجوز أن يتعلق ب « اتَّبَعُوا » أي : واتّبعوا القرآن المنزل مع أتباع النبي ، وبالعمل بسنّته ، وبما أمر به ، ونهي عنه . أو واتّبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه » . يعني بهذا الوجه الأخير أنه حال من فاعل « اتَّبَعُوا » . وقيل : « مع » بمعنى « على » ، أي : أنزل عليه . وجوز « 3 » الشيخ أن يكون « مَعَهُ » . ظرفا في موضع الحال ، قال : « والعامل فيها محذوف ، تقديره : أنزل كائنا معه ، وهي حال مقدرة ، كقولهم : « مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، فحالة الإنزال لم يكن معه ، لكنه صار معه بعد ، كما أن الصيد لم يكن وقت المرور » . قوله : إِلَيْكُمْ . متعلق ب « رَسُولُ » ، و « جَمِيعاً » حال من المجرور ب « إلى » . قوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ يجوز فيه الرفع والنصب والجر ، فالرفع والنصب على القطع ، وقد مرّ غير مرّة . والجر من وجهين ، إما النعت للجلالة ، وإما البدل منها . قال الزمخشري : « ويجوز أن يكون جرا على الوصف ، وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله : « إِلَيْكُمْ جَمِيعاً » . وقد استضعف أبو البقاء هذا ، ووجه البدل ، فقال : « ويبعد أن يكون صفة للّه ، أو بدلا منه ، لما فيه من الفصل بينهما ب « إِلَيْكُمْ » ، وبحال ، وهو متعلق ب « رَسُولُ » . قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » لا محل لهذه الجملة من الإعراب ، إذ هي بدل من الصلة قبلها ، وفيها بيان لها ، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة ، وكذا قوله : « يُحيِي وَيُمِيتُ » هي بيانا لقوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » سيقت لبيان اختصاصه بالإلهية ، لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره » . قال ذلك الزمخشري .

--> ( 1 ) انظر مختصر الشواذ ( 46 ) . ( 2 ) آية رقم ( 161 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 404 ) .